محمد سعيد رمضان البوطي
138
فقه السيرة ( البوطي )
إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ، كي لا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعا ، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم ، فأتى جبريل عليه السلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمره بالهجرة ، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة « 1 » . قالت عائشة فيما يروي البخاري : فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر : « هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متقنعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها » . فقال أبو بكر : « فدا له أبي وأمي ، واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر » ، قالت : فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر : « أخرج من عندك » ، فقال أبو بكر : « إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه » . قال : « فإني قد أذن لي في الخروج » ، فقال أبو بكر : « فخذ بأبي أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتي » ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بالثمن » . قالت عائشة : فجهزناهما أحثّ الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فبذلك سميت ذات النطاق « 2 » . وانطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما يعلمون من صدقه وأمانته . وأمر أبو بكر ابنه عبد اللّه أن يتسمّع لهما ما يقوله للناس عنهما في بياض النهار ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من الأخبار ، وأمر عامر بن فهيرة ( مولاه ) أن يرعى غنمه نهاره ، ثم يريحها عليهما إذا أمسى ، إلى الغار ( غار ثور ) ليطعما من ألبانها ، وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما في كل مساء . وروى ابن إسحاق والإمام أحمد ، كلاهما عن يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخرج معه أبو بكر ، احتمل أبو بكر ماله كله معه : خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم ، قالت وانطلق بها معه .
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : 1 / 155 ، وطبقات ابن سعد : 212 . ( 2 ) في طبقات ابن سعد : إنها شقت نطاقها فأكأت بقطعة منه الجراب ، وشدت فم الجراب بالباقي فسميت ذات النطاقين .